محمد أبو زهرة

1947

زهرة التفاسير

بالدخول سجدا مطأطئى الرؤوس فقد قال تعالى في سورة البقرة : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ . . . ( 58 ) [ البقرة ] . ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا ، وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة أي خاضعين قد ذهب عنا الكبرياء . والمدينة أو القرية قيل هي بيت المقدس ، وقيل غيرها ، وقد أبهمها الله ، ولم يوجد من السنة الصحيحة ما يبينها ، فلنترك أمرها ، ولا ينقص ذلك الهدف القرآني من سياق هذه القصة ، وهي أنهم أمروا بالطاعة المطلقة . والأمر الثاني الذي أمروا - ذكره الله تعالى بقوله وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ أي لا تتجاوزوا الحدود التي أمركم بالتزامها يوم السبت ، وهي ألا تصطادوا الحيتان في ذلك اليوم ، وتكرر قوله تعالى وَقُلْنا لبيان تأكيد الأمر ونسبته اليه سبحانه وتعالى : وقد اختبرهم سبحانه وتعالى اختبارا ، فقد كانت الحيتان تأتيهم يوم السبت واضحا ، وتختفى في غيره ، كما قال تعالى : وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 163 ) [ الأعراف ] . وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً أخذ الله سبحانه وتعالى عهدا موثقا كامل التوثيق شديدا في قوته وفي موضوعه وأضاف سبحانه وتعالى الأخذ إلى ذاته العلية تقوية له ، وتأكيدا ، فإن ذا الجلال والإكرام العليم الخبير هو الذي أخذه ، وهو الذي يتولى أمرهم إن نكثوا في أيمانهم ، وأنه سيأخذهم أخذ عزيز مقتدر . وغلظ الميثاق كما أشرنا في قوة توثيقه ، فقد أخذه بعد أن رفع الجبل عليهم كأنه ظلة ، وأمرهم بالطاعة المطلقة ، وشدته في موضوعه ، فقد كلفهم تكليفات شديدة ، لإفراطهم في الفساد ، فكان السبيل لفطم نفوسهم عن الشهوات ، وتربيتها على الضبط والعمل الصالح أن ينص على تحريم أمور كثيرة ، ذلك أن النفس التقية تمتنع من ذاتها كثيرا من غير أوامر أو تكليف . أما النفوس المنحرفة ، فتحتاج إلى النص على تحريم